حكاية منزل

قال لي أن القلوب أشبه بالمنازل على الفور سألته من أي المنازل قلبك ؟
نظر لي وهو يعض شفته ثم قال بشرط أن تستمع لي بإنصات وتركيز في كل ما أقول
عدلت من جلستي وقلت هات ما عندك واني لمن المنصتين
قال : قلبي منزلٌ ريفي صغير يلفِتُ الانظارَ عن غيرهِ من المنازلِ الكثيرة رُغمَ صِغَرهِ إلا أن الله حباهُ مكانةً كبيرة ، يقعُ في مكانٍ مميز في القرية مما جعلهُ مَحَطُ نظرٍ لكل العابرين ولطالما كان بابُ سورِ ذلك المنزل مفتوحًا على مصراعيه ، فناؤهُ قد تحولَ إلى واحةٍ لما فيه من أشجارٍ متنوعةٍ تُحيط بِسُورِهِ ؛ تستظلُ تحتها قططٌ سمينةٌ لكرمِ سيدةِ هذا المنزل وإلى جانبِهِ مزرعةٌ صغيرة قُسِّمت بطريقةٍ في غايةِ الدِّقةِ والجمال ، تحتوي في كلِ قسم على نوعٍ من انواع الخضرواتِ الورقية تسقيها من بئرٍ صغيرة وفي الجانبِ الآخر تنّورٌ بمحاذاتِهِ حطبٌ مُرتبٌ بشكلٍ يفوق الوصف فالأحطابُ الصغيرة متراكمةٌ في صف والكبيرةُ في صفٍ آخر وكلاهما بطولٍ واحد رائحةُ البخورِ والقهوة على مدارِ الساعةِ تفوحُ من المنزلِ إلى الفِناء يتغازلان مع رائحة الازهارِ والريحان القابِعةُ على مدخل المنزل ، ولا يفترقان الا وقت نوم سيدة المنزل ثم يلتقيان في الصباحِ مُجددًا ... وبعد عمرٍ طويل تُوفيت السيدةُ وتركت خلفها كل ذلك الجمال ، اُغلقت ابوابُ المنزل وجفَّ الريحانُ وماتتِ الأزهارُ بين اعشاب الإهمالِ والاشواك ، وأصبحت القططُ نحيلةٌ هزيلة لا تكادُ أن تجدَ ما تستظل به بعد تساقُطِ اوراق الشجرِ من الجفاف وعيونها لا تفارقُ الباب على أمل أن تخرجَ إليها تلك الملاك التي اعتادوا على اطعامها لهم كل يوم ،وكم خدعتهم الرياح ُوهي تهُز بابَ المنزل فتهتزُ معه قلوبهم ظناً منهم انها ملاكهم أما الخضروات في مزرعتها الصغيرة فقد طالت وكَبُرت وكأنها تبحثُ عمّن اعتادت على قطفها باتَ منظرُ المنزل موحشٌ وهو مهجور . ولكنّ الأملَ عاد ؛ حين قررت سيدة شراءُ ذلك المنزل بدافعِ حبِها له حين كانت الحياةُ تعُم في ارجائه ، ولتحاول ان تعيدهُ لسابقَ عهدِه وبالفعل عادت الحياة له مجدداً ، ليس كما كان ولكن على الاقل أفضل من هِجرانه والقطط بدأت تتعافى ولكنها انتشرت تحت اشجارِ المنازلِ المجاورةِ بعد ان يئست من عودة سيدتها الاولى وبعد فترةٍ ليست بالطويلةِ قررت السيدةُ الجديدة ان تُعيد تصميم المكانِ بالكامل على الشكل الذي تُريدُه هي بعد أن عجزت عن إعادةِ الحياةَ إليه كما كانت فيه من قبل هدَمت المنزل وأزالت الأشجار والمزرعة على أن تستبدلها ، ثم توقفت عن إكمال خطّتها لانشغالها في امورٍ طرأت وبَدت اهمُ من هذا الأمر وغادرت البلدة ...

تعليقات

المشاركات الشائعة